يوسف حسن نوفل
45
من المكتبة القرآنية
الاستعاذة ، وماهيتها ، وأركانها ، واللطائف المستفادة من الاستعاذة وهكذا يمضى الجزء الأول وعدد صفحاته مائتان وتسعون صفحة مع تفسير سورة الفاتحة فقط . فهو بعد أن ينتهى من تفسير الاستعاذة ، يفسر البسملة وما يعلق بها قراءة وكتابة ، ومباحث الاسم العقلية والفعلية ، والأسماء الدالة على الصفات الحقيقية ، والأسماء الدالة على كيفية الوجود ، وأقسام الصفات الحقيقية ، والأسماء الدالة على الذات . . إلخ . حتى ينتهى من سورة الفاتحة كما قدمنا في 290 صفحة . ثم يبدأ في سورة البقرة ، فيتناول قضاياها ، ومن بينها ضرب الأمثال ، وهو من الأمور المستحسنة في العقول ويدل على وجوه ، أحدها إطباق العرب والعجم على ذلك ، أما العرب فذلك مشهور عندهم وقد تمثلوا بأحقر الأشياء فقالوا في التمثيل بالذرة : أجمع من ذرة ، وأضبط من ذرة ، وأخفى من ذرة ، وفي التمثيل بالذباب ، ألح من الذباب ، وأخطأ من الذباب ، وأطيش من الذباب ، وأشبه من الذباب بالذباب ، وكذا في الجرادة والفراشة والبعوضة مما قاله العرب ، ومما جاء في كتاب ( كليلة ودمنة ) مما يتصل بالأشياء الهينة البسيطة ، فظهر أن اللّه تعالى ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة . وأما العقل فلأن من طبع الخيال المحاكاة والتشبه فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال ، وإذا ذكر معه الشبه أدركه العقل مع معاونة الخيال ، ولا شك أن الثاني يكون أكمل وأيضا فنحن نرى أن الإنسان يذكر معنى ولا يلوح به كما ينبغي ، فإذا ذكر المثال اتضح وصار هينا مكشوفا ، فإذا أراد اللّه أن يقبح عبادتهم الأصنام وعدو لهم عن الرحمن صلح أن يضرب المثل بالذباب ليبين أن قدر مضرتها لا يندفع بهذه الأصنام ، ويضرب المثل لبيت العنكبوت ليبين أن عبادتها أوهن من ذلك وفي مثل ذلك كل ما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح . وهكذا يمضى الفخر الرازي في تفسيره الفريد المتميز بسمة خاصة هي الاهتمام بالطبيعة والكائنات والحقائق العلمية والنظرة التجريبية .